رقعة الشطرنج تشتعل: كيف أسقطت الجزائر مشاريع الوهم وأعادت رسم خرائط النفوذ؟
في عالم السياسة، لا تُقرأ الأحداث من خلال التصريحات الرنانة، بل من خلال التحركات الصامتة التي تسبقها. ما نشهده اليوم في منطقتنا ليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة أو تبادل للرسائل السياسية، بل هو إعادة ترتيب شاملة لـ «رقعة الشطرنج» الإقليمية.
وفي هذه اللعبة المعقدة، قررت الجزائر ألا تكون مجرد لاعب يقوم برد الفعل، بل هي من يوزع الأوراق ويفرض قواعد الاشتباك. ولفهم الصورة الكبرى، يجب تفكيك المشهد من زوايا متعددة، تبدأ من فخ الإعلام، وتمر بمدريد وأبوظبي، لتنتهي بالضربة القاضية في رمال الساحل الإفريقي.
قبل الغوص في الجغرافيا السياسية، هناك معركة وعي تدور رحاها الآن. التحالف «المغربي-الإماراتي» يدرك جيدًا حجم السقطة التاريخية برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الرباط والكيان تزامناً مع أشد الفصول دموية في تاريخ القضية الفلسطينية. للتغطية على هذا، يحاول هذا المحور جرّ الإعلام الوطني الجزائري إلى مستنقع «الصحراء الغربية» لإعطاء هذه الأسطوانة زخمًا يلهي الرأي العام. الذكاء الإعلامي اليوم يقتضي عدم ابتلاع الطعم؛ المعركة الحقيقية هي تسليط الضوء على هذا الخنجر في ظهر فلسطين.
الرسالة المشفرة إلى مدريد: تقاطع النيران
لا يمكن قراءة الخطوة المغربية-الإسرائيلية بمعزل عن الضفة الشمالية للمتوسط. إسبانيا، التي اتخذت مؤخرًا مواقف شجاعة ومتقدمة جدًا، أصبحت مصدر قلق لمحور واشنطن-تل أبيب. مدريد حظرت تصدير السلاح للكيان، ومنعت استخدام أراضيها وأجوائها للعمليات العسكرية الداعمة له، بل ورفضت استخدام قواعدها في الخطط الأمريكية المتعلقة بالحرب مع إيران. أضف إلى ذلك التوتر الصامت مع الرباط حول أزمة الهجرة في سبتة، والخطوة الإسبانية الموجعة للرباط بتجنيس عشرات الآلاف من الصحراويين.
من هذه الزاوية، رفع التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب هو رسالة استراتيجية موجهة لإسبانيا مفادها: «إذا كانت مدريد تبتعد عن المحور الأمريكي-الإسرائيلي وتعيد حساباتها، فإن المغرب يملأ هذا الفراغ ويعزز تحالفه مع هذا المحور». إنها محاولة مغربية للاستقواء بالكيان في مواجهة الرفض الإسباني.
أبوظبي – الرباط: الرد العاجز على الصفعة الجزائرية
بالانتقال إلى الشرق، يبدو السياق أكثر وضوحًا ومباشرة. في 10 سبتمبر، اتخذت الجزائر قرارًا سياديًا حاسمًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات. لم يكن هذا القرار انفعاليًا، بل نهاية لمسار طويل من العبث الإماراتي في الحديقة الخلفية للجزائر.
كيف كان الرد؟ بعد أيام قليلة، سارعت أبوظبي لتثبيت موقفها الداعم لمغربية الصحراء، مع ضخ أموال ضخمة في محاولة بائسة لإعادة إحياء «تغريدة ترامب»، ظنًا منها أن هذا التحرك سيخيف الجزائر. لكن في لغة المحاور، الجزائر أثبتت أن قطع العلاقات لم يكن نهاية المعركة، بل كان إعلانًا ببدء قواعد اشتباك جديدة. الرسائل الإماراتية والمغربية المتخبطة تؤكد شيئًا واحدًا: القرار الجزائري زلزل حساباتهم وفرض نفسه بقوة على المشهد.
عقدة النيجر: الضربة الجزائرية التي أسقطت «مشروعي الوهم»
هنا تكتمل الصورة وتتضح براعة الدبلوماسية الاستراتيجية الجزائرية. النيجر ليست مجرد جار جنوبي؛ إنها «عقدة القلب» في الساحل الإفريقي، ومفتاح طرق الطاقة والتجارة. التدخل الجزائري الأخير لدعم استقرار نيامي لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان إعلانًا رسميًا بعودة الجزائر للتحكم برقعة الشطرنج الإفريقية.
هذه العودة الجزائرية القوية عصفت بمشروعين استراتيجيين كان يُراد لهما خنق الجزائر:
- المشروع الإماراتي-الإسرائيلي: المتمثل في خلق خط تجاري ينطلق من غرب إفريقيا، يمر بالساحل، ثم السودان، وصولًا إلى موانئ غزة وحيفا، ليتقاطع مع الممر الهندي نحو أوروبا. (وهذا يفسر بوضوح سر التمويل الإماراتي للحرب في السودان، وسعي الكيان المستميت لتجريد غزة من المقاومة لتهيئة الميناء).
- مشروع الخط الأطلسي المغربي: المدعوم إماراتيًا، والذي رغم استحالته وتكاليفه الخيالية، كان يهدف بالأساس إلى عزل الجزائر طاقويًا واقتصاديًا عن عمقها الإفريقي.
الجزائر قالت كلمتها بوضوح: لن يُعاد تشكيل خرائط النفوذ وطرق التجارة في الساحل رغماً عن الإرادة الجزائرية أو على حساب أمنها القومي.
الخلاصة: الجغرافيا العنيدة واللعبة القادمة
أمام هذا الواقع، وجد المغرب نفسه معزولًا داخل جغرافيا قاسية ومغلقة: الجزائر شرقًا، الصحراء الغربية المحاربة جنوبًا، وإسبانيا الغاضبة شمالًا. في هذا الخناق، اختار المغرب التنكر لانتمائه الديني والعروبي، والارتماء كليًا في الحضن الإسرائيلي.
في المقابل، تتحرك الجزائر بهدوء وثقة: تثبت عمقها في الساحل، تضرب شبكات التخريب، تقطع العلاقات مع من يطعنها في الظهر، وتعزز تحالفاتها مع القوى الحرة في أوروبا. ولعل ما تتناقله وسائل الإعلام الإسبانية اليوم عن زيارة مرتقبة و«تاريخية» للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مدريد الشهر القادم، هو تتويج لهذا المسار. إذا تمت هذه الزيارة، فلن تكون مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل ستكون بمثابة إعلان «كش ملك» لمحور التطبيع والوهم، وتأكيدًا على أن الجزائر هي من يرسم الخرائط في النهاية.
تعليقات
إرسال تعليق